عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
111
اللباب في علوم الكتاب
الكلام ، والتّقدير : قالت أولاهم لأخراهم : ما دعاؤكم اللّه أنّا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم ، فما كان لكم علينا من فضل بضلالكم ، وأنّ قوله : « فذوقوا » من كلام الأولى خطابا للأخرى على سبيل التشفّي ، وأن ذوق العذاب هو بسبب ما كسبتم لا بأنّا أضللناكم . وقيل : فذوقوا من خطاب اللّه لهم . و « بما » « الباء » سببية ، و « ما » مصدرية ، أو بمعنى « الّذي » ، والعائد محذوف أي : تكسبونه . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 40 ] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) هذا من تمام وعيد الكفّار فقوله : « كَذَّبُوا بِآياتِنا » أي بالدّلائل الدّالة التي هي أصول الدّين فالدهرية « 1 » ينكرون دلائل إثبات الذّات والصّفات ، والمشركون ينكرون دلائل إثبات التوحيد ، ومنكرو النّبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحّة النّبوّات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على صحة نبوته ، ومنكرو المعاد ينكرون الدّلائل الدّالة على صحّة المعاد فقوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا يتناول الكلّ ومعنى الاستكبار طلب التّرفّع بالباطل ، وهذا اللّفظ يدلّ على الذم في حقّ البشر . قوله : « لا تفتّح » . قرأ أبو عمر « 2 » : « لا تفتح » بضمّ التّاء من فوق والتّخفيف والأخوان بالياء من تحت والتخفيف أيضا ، والباقون : بالتّأنيث والتشديد . فالتّأنيث والتّذكير باعتبار الجمع والجماعة ، والتّخفيف والتضعيف باعتبار التكثير وعدمه ، والتضعيف هنا أوضح لكثرة المتعلق ، وهو في هذه القراءات مبني للمفعول . وقرأ أبو حيوة « 3 » ، وأبو البرهسم [ « تفتّح » ] بفتح التّاء من فوق والتضعيف ، والأصل : لا تتفتح بتاءين فحذفت إحداهما ، وقد تقدّم في « تَذَكَّرُونَ [ الأنعام : 152 ] ونحوه ، ف « أبواب » على قراءة أبي حيوة فاعل ، وعلى ما تقدّم مفعول لم يسمّ فاعله . وقرىء : « لا تفتح » بالتاء ، ونصب « الأبواب » على أن الفعل للآيات وبالياء على أن الفعل للّه ذكره الزمخشريّ .
--> ( 1 ) في أ : فالدهريون . ( 2 ) ينظر : السبعة 280 ، والحجة 4 / 18 ، وحجة القراءات 282 ، وإعراب القراءات 1 / 180 ، والعنوان 95 ، وشرح الطيبة 4 / 294 ، وشرح شعلة 388 ، وإتحاف 2 / 48 . ( 3 ) وقع في المحرر الوجيز 2 / 400 أن قراءة أبي حيوة : « يفتّح » بالياء وفتح الفاء وشد التاء ، والمثبت عند المصنف كما في البحر 4 / 299 ، والدر المصون 3 / 269 .